الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
317
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
وفصل آخر بين المحفوف بقرينة مقالية أو حالية ، كما إذا أعدّ المجلس للهزل ، وما إذا لم يكن كذلك ، مدّعيا انصراف الأدلّة عنه ، بل لم يكتف بذلك حتّى ادّعى عدم حرمته إذا لم يفد المخاطب شيئا ، ولم يكن فيه اغراء ، كما إذا أخبر ببرودة النّار وحرارة الماء ! أقول : الإنصاف أنّه لا محصّل للتفصيل بين كونه اخبارا وإنشاء ، لأنّ جميع ما ذكر من قبيل الإخبار قطعا ، والبطولة والعلم وأشباههما ليست من الأمور الإنشائية التي تحصل بمجرّد الإنشاء ، وكذا تطبيق هذه الأوصاف على بعض الموارد . هذا مضافا إلى ما سيأتي من احتمال جريان الصدق والكذب في بعض الإنشائيات أيضا ، فانتظر . كما أنّ دعوى الانصراف في أدلّة الكذب ممنوعة ، وليت شعري ما الفرق بين الكذب وسائر المحرّمات ؟ فانّ لها أيضا مصاديق قليلة الفساد أو خالية عن الفساد ظاهرا كمن شرب قطرة من الخمر ، أو غصب حبّة من حنطة أو وطأ خطوة أرض الغير بغير رضاه ، فهل تعدّ هذه ذنوبا صغارا ؟ وهل يلاحظ الفرق بين المصاديق ؟ وهل فصّل فيها أحد ؟ وهكذا الفرق بين ما لا يفيد السامع شيئا وغيره . وبالجملة لا تدور المحرّمات مدار المفاسد الفردية ، بل النوعية ، فإذا شمل عنوانها لمصداق جرى عليه حكمه . بل يمكن الاستدلال على العموم بروايات خاصّة : 1 - منها رواية سيف بن عميرة الآنفة الذكر ( 1 / 140 ) وفيها بيان كون المفسدة نوعية . 2 - منها ما رواه الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال : « لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يترك الكذب هزله وجدّه » ( 2 / 140 ) وحمله على الاستحباب كما ذكره في المصباح كما ترى . 3 - ومنها ما رواه أبو ذرّ عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنّه قال : « . . . ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم » ( 4 / 140 ) . ورميها بضعف السند مشكل بعد كونها متظافرة . نعم ، إذا قامت القرائن الحالية أو المقالية على إرادة المجاز أو الكناية من اللفظ ، ولو